Friday, November 16, 2007

الطوفان

حتى لحظات قليلة مضت،كنت أظنني مبتدئا في فهم الآيات ،والتقاط النفحات ،واستلهام الحكم الجارية تحت طبقات كلمات القرآن الرقراقة المنداة بالروعةالقدسية والنغم الرباني.. إلا أنني اكتشفت أن بعد المشرقين يتمدد آمنا مطمئنا بيني وبين تلك المرحلة..فالأمية الفظة الخانقة الصماء هى ما رأيتني أرتع فيه حتى العماء ،ولولا رحمة ربي لكنت من الهالكين
=====
لقيني كعادته ،تطفو بشاشته وطلاقة وجهه بإحكام على سطح مهابة شاسعة..صافحته وكالعادة طلبت منه الدعاء..بتعبير رؤوم راسخ لا يشوبه مثقال ذرة من عمد أو تسلط مد نظراته إلى عيني مباشرة،شعرت بها تنداح عبر شباكي عيني إلى داخلي ..أشهرت على الفور إذعانا محببا من النوع يفترش الموقف تلقائيا عندما نكون بإزاء أحد الصالحين
قال بصوته العريض الرزين المؤثر:ربنا يصلح لك الحال وييسر لك الأمور
نعم الغنيمة المولودة مع فجر يوم جديد
استويت خلفه ،في الصف الأول من صفي الفجر اليتيمين اليوميين .. سلمت نفسي..وأقلعت بقلبي صوب جنة فواحة مترامية ركعتان من أروع ركعات العمر
كبر
لاح كجبل من يقين أبيض ..عمود من نور ومرمر تنبعث منه الآيات جليلة ندية أخاذة..مجسمة مرئية..زالت المسافة بين ألفاظ التلاوة وبين مضمونها الذي غمرنا أثيريا ملحميا داويا متلاطما يهز القلب وينفض عن العقل بقايا الهجوع
انمحت الفواصل بين السمع الذي مفترض أن نتلقى به الآيات ،وبين التمرغ الحميم في مجسمات الصور والأحداث تحت سطوة المعنى الذي انهل جارفا كاسرا سديمي الإيقاع جرف الأرواح إلى شرفة علوية كونية منخلعة من اعتبارات الزمان وجدران المكان مغموسة في
شهود حق بازغ تتخلق إرهاصاته ثم تترى وقائعه وتهب تداعياته ..عاصفة بالأبصار أنواره وتجلياته
ياالله
بالحق كاد قلبي يتوقف..بالحق انحبست أنفاسي..واحتقنت نبضات النشوة حتى غصت بها سريرتي ،ولم يكن ثمة من مخرج سوى الهروع إلى إعلان الإفلاس أمام إعجاز القدرة ،وإشهار الاستسلام والعجز وذبح جمود النفس وإراقة دمه دمعا هاطلا لم ولا ولن يساوق أو أو يسابق انهمار الرحمات وتكاثف الدلالات
وقال اركبوا فيها
باسم الله مجريها ومرساها
إن ربي لغفور رحيم
تقاذفني مع السفينة موج الطوفان الذي كالجبال..تماهى كل شىء مع كل شيء ..ذاب كل شىء في كل شىء..الوجود صار محض حال من
الجزع الممتزج بالعرفان العاجز والحيرة اللاهثة اللاهبة قلوب أهل المركب النائح المتضرع اللائذ بجناب الله طلبا للسلامة
شعور عارم أشبه بانسلات الروح ..خضوع ينز توسلا ..غارت أشلاء النكران والجحود تحت اللجة فلا شىء بقى سوى بشر و آية ظاهرها الخطب الجلل المدلهم وباطنها رحمة سخية مفعمة بالبكارة تجري بفرح كاسر في عروق الوجود بعد طول تصلب وهجران
ناداني نبي الله نوح ..نادى الشيخ الابن الكافر الخائن..في حضرة العبرة تكون السطوة للحكمة..للحقيقة..للقاعدة السارية الحاكمة رغم الزمان وفوق المكان
أ جل
أنا المارق الآبق الذي بصق من طويته الملتاثة جبلا وهميا من غرور وعنت وقال سآوى إليه فبنى له الشيطان فوقه قصورا فاجرة سرابية من الأمان المزعوم وقت لا عاصم من أمر الملك إلا هو
منه....وإليه
بيده......وإلى مشيئته
لا مصير إلا ما صاغت إرادته
ولا مآل إلا الذي قدرت حكمته
==========
طفق اللسان يلهج استغفارا وإقرارا
خر القلب قبل الجبهة التى هرعت إلى المسكنة مأوى من الفزع
لانت الملامح التي رأت في المذلة إبراء للضمير والنفس من الصلف والعزة
هل غرقت مع ابن نوح في ماء الطوفان أم غرقت في دمعي؟
لم أفق إلا والعين تبلع ماءها والروح تقلع عن سكب نفسها مدرارة فوارة لوعة وأوبة
استويت مع الشيخ والإخوة نراقب رسو السفينة ..زغردت في آذاننا ابتهالات النجاة..فرح شفيف خيم وأزاح كل عناء

1 comment:

أميرة محمد محمد محمد said...

رائع أخي طارق بجد أديب و مفكر
أنا بصراحه لما بقرأ حاجه بمثل هذه الموهبه المتدفقه مش ببقي عارفه أعلق أقول ايه لا أملك ما يخولني للرد علي مثل هذا الابداع
جميل هذا الرباط الحميم بينك و بين القران اللهم اجعله نورا و برهانا لك في كل وقت
أنا أيضا أعشق فيلم و تؤثر فيا نهايته عندما ينتهي كل شئ و لا يعود احساس صعب بالوحده وان كل شئ لن يعود أبدا كما كان و لا يبقي الا الندم و الالم
اكثر الفصول التي أعشقها بعد الخريف هو الشتاء حيث تشعر ان ما يحدث في الطبيعه هو مراه تعكس عواصف نفسك
اسفه لتأخري في الرد لم يكن لدي وقت